الخطيب الشربيني

155

مغني المحتاج

والتحقيق كما قال شيخنا أن وجوب ذلك ليس لايفاء الدين بل للخروج من المعصية ، وليس الكلام فيه . فإن قيل : يجب الاكتساب في نفقة القريب مع أن الدين أقوى منها فإنها تسقط بمضي الزمان بخلافه ، فهلا كان ذلك مثلها أجيب بأن قدر النفقة يسير والدين لا ينضبط قدره ، وأيضا نفقة القريب فيها إحياء بعضه فلزمه الاكتساب له كما يلزمه الاكتساب لاحياء نفسه بخلاف الدين قال ابن الرفعة : هذا كله في الحر ، أما الرقيق المأذون له في التجارة إذا قسم ما بيده للغرماء وبقي عليه دين وقلنا يتعلق دين التجارة بكسبه وهو الأصح لزمه أن يكتسب للفاضل اه‍ . وفيه نظر . ولا يمكن المفلس من تفويت حاصل لمنافاته غرض الحجر ، فليس له ولا لوارثه العفو عن المال الواجب بجناية لما فيه من تفويت الحاصل . ( والأصح وجوب إجارة أم ولده والأرض الموقوفة عليه ) مثلا لبقية الدين لأن منافعها كالأعيان ، ولهذا يضمنان بقوتهما في يد الغاصب بخلاف منافع الحر فيصرف بدلهما إلى الدين ويؤجران مرة بعد أخرى إلى البراءة ، فإن المنافع لا نهاية لها . قال الرافعي : ومقتضى هذا إدامة الحجر إلى البراءة ، وهو كالمستبعد . قال البلقيني : ليس هذا مقتضاه وإنما مقتضاه أحد أمرين : إما أن ينفك الحجر بالكلية ، وإما أن ينفك بالنسبة إلى غير الموقوف والمستولدة ويبقى فيهما ، وتبعه الأسنوي على ذلك . قال الزركشي : والمراد إذا كان يحصل منهما ما يزيد على قدر نفقته ونفقة من يمونه قبل قسمة المال فإنها يقدمان في المال الحاصل فالمنزل منزلته أولى اه‍ . لكن إنما تقدم نفقته ونفقة من يمونه قبل قسمة المال . وقياسه أن يقال : ينفق عليه وعلى من يمونه من أجرة أم الولد والموقوف عليه أن يؤجر . والثاني : لا تجب ، لأن المنفعة لا تعد مالا حاصلا . قال الأذرعي : والظاهر أن الموصى بمنفعته له كالمستولدة والموقوف . قال في الروضة : وأفتى الغزالي بأنه يجبر على إجارة الموقوف ، أي بأجرة معجلة ، ما لم يظهر تفاوت بسبب تعجيل الأجرة إلى حد لا يتغابن به الناس في غرض قضاء الدين والتخلص من المطالبة اه‍ . ومثله المستولدة ، ومحله في الوقف إذا لم يكن شرط الوقف في إجارته شرطا فإن شرط شيئا اتبع ، قاله القاضي أبو بكر الشاشي في فتاويه . تنبيه : لو قال المصنف : والموقوف عليه لكان أخصر وأشمل . ( وإذا ادعى ) المدين ( أنه معسر ، أو قسم ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا ) ما زعمه ( فإن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البينة ) بإعساره في الصورة الأولى ، وبأنه لا يملك غيره في الثانية ، لأن الأصل بقاء ما وقعت عليه المعاملة . وقضية التوجيه المذكور أن المراد بالمال ما يبقى ، أما ما لا يبقى كاللحم فالظاهر أنه كالقسم الآتي . تنبيه : قضية كلامه أن الاعسار لا يثبت باليمين المردودة ، وليس مرادا فإنه لو ادعى على غريمه علمه بإفلاسه أو تلف ماله حلف على نفيه ، فإن نكل حلف وثبت إفلاسه . وقضيته أيضا أنه لا يكفي علم القاضي بإعساره ، وبه صرح الامام ، قال : لأنه ظن لا علم . لكن ذكر الشيخان في الكلام على القضاء بالعلم هو الظن المؤكد مدلوله الحقيقي ، وقضيته أنه يقتضي به هنا وهو الظاهر . ( وإلا ) بأن لزمه الدين لا في معاملة مال ، ( فيصدق بيمينه في الأصح ) سواء لزمه باختياره كضمان وصداق أم بغير اختياره كأرش جناية وغرامة متلف ، لأن الأصل العدم . وهذا التعليل يدل على أن صورة المسألة فيمن لم يعرف له مال قبل ذلك ، ولذا قال في التنبيه : فإن كان قد عرف له مال قبل ذلك حبس إلى أن يقيم البينة على إعساره . والثاني : لا يصدق إلا ببينة ، لأن الظاهر من حال الحر أنه يملك شيئا ، وكذا علله الرافعي ، واعترضه في الكفاية بأن هذا التعليل لا يستقيم فيما إذا قسم ماله ، لأن مقتضى الظاهر قد تحقق وعمل به . والثالث : إن لزمه الدين باختياره لم يصدق إلا ببينة ، أو بغير اختياره صدق بيمينه . والفرق أن الظاهر أنه لا يشغل ذمته باختياره بما لا يقدر عليه . ومحل التفصيل المذكور ما إذا لم يسبق منه إقرار بالملاءة ، فلو أقر بها ثم ادعى الاعسار ففي